
رسالة السودان – سفيان أبو عمر
من مدينة هواسا، إحدى أبرز مدن جنوب إثيوبيا، حيث تتقاطع حكايات كرة القدم مع شغف الجماهير وتقاليد المنطقة العريقة، بدأ نادي سيداما بونا الرياضي الإثيوبي، المعروف باسم سيداما بونا إف سي، في كتابة فصل جديد من تاريخه، بعدما نجح في الانتقال من دائرة المنافسة المحلية إلى منصة التتويج، قبل أن يحمل طموحاته إلى الملاعب الإفريقية بحثًا عن حضور يليق بما حققه داخل بلاده.
قصة سيداما بونا لا ترتبط بكرة القدم وحدها، فالنادي يحمل اسم منطقة سيداما، وهي المنطقة التي أصبحت إقليمًا مستقلًا في إثيوبيا بعد الاستفتاء الذي أُجري عام 2019، كما تشتهر عالميًا بإنتاج أحد أشهر وأجود أنواع البن الإثيوبي، الذي يحمل بدوره اسم “سيداما”.
وهكذا أصبح اسم سيداما حاضرًا في أكثر من مجال؛ فالقهوة تحمل اسم المنطقة إلى مختلف أنحاء العالم، بينما يحاول فريقها الكروي أن يحمل الاسم نفسه إلى ملاعب القارة الإفريقية.في مدينة هواسا، التي تحتضن النادي وتعد واحدة من أهم مدن جنوب إثيوبيا، وجد سيداما بونا بيئته التي منحته هوية خاصة، إذ أصبحت جماهير المدينة جزءًا أساسيًا من قصة الفريق، خصوصًا مع التطور الذي شهده النادي خلال السنوات الأخيرة.
وعلى أرضية ملعب هواسا، الذي يتسع لنحو 25 ألف متفرج، عاش سيداما بونا موسمًا استثنائيًا، بعدما تمكن من تحقيق الإنجاز الأكبر في تاريخه والتتويج بلقب الدوري الإثيوبي الممتاز للمرة الأولى.
لم يكن اللقب مجرد بطولة محلية بالنسبة للنادي، وإنما كان لحظة فارقة أعادت تقديم سيداما بونا بصورة مختلفة، وحولته من فريق يسعى للمنافسة إلى بطل يحمل اسم مدينة ومنطقة كاملة، ويبحث عن موطئ قدم له خارج الحدود الإثيوبية.
جاء تتويج سيداما بونا بعد موسم طويل وشاق، احتاج خلاله الفريق إلى الحفاظ على مستواه والتعامل مع المنافسة حتى الجولات الأخيرة.
وخاض الفريق 38 مباراة خلال مشواره في الدوري، نجح خلالها في تحقيق 19 انتصارًا، مقابل 11 تعادلًا و8 هزائم، ليجمع في النهاية 68 نقطة ويتصدر جدول المسابقة.
وكانت هذه الأرقام كافية لمنح سيداما بونا أول لقب للدوري الإثيوبي الممتاز في تاريخه، في إنجاز وضع النادي في واجهة كرة القدم الإثيوبية، وفتح أمامه الطريق نحو المشاركة القارية.
ولم يكن الوصول إلى القمة أمرًا سهلًا في ظل وجود منافسين يمتلكون تاريخًا وخبرة كبيرة، من بينهم نيغلي أرسي وميشال، ممثل وزارة الدفاع الإثيوبية، لكن سيداما بونا استطاع أن يحافظ على توازنه ويجمع العدد الكافي من النقاط ليُنهي الموسم في الصدارة.
وهنا بدأت قصة جديدة للنادي.
فبعد أن كان الهدف هو المنافسة على لقب الدوري، أصبح الهدف التالي هو تمثيل إثيوبيا في بطولة دوري أبطال إفريقيا.
المشاركة الإفريقية تمثل اختبارًا مختلفًا تمامًا عن المنافسة المحلية، فالمباريات القارية لا تمنح الفرق مساحة كبيرة لتعويض الأخطاء، كما أن مواجهة أندية من مدارس كروية مختلفة تفرض على اللاعبين والمدربين التعامل مع ظروف جديدة، سواء من الناحية الفنية أو البدنية أو الجماهيرية.
ودخل سيداما بونا الأدوار التمهيدية لدوري أبطال إفريقيا وهو يدرك أن تتويجه المحلي لن يكون كافيًا لصناعة اسم قاري، وأن عليه إثبات قدرته على المنافسة خارج إثيوبيا.
وجاء الاختبار أمام أغيلونز إف سي التشادي، في مواجهة حملت معها الكثير من الحسابات، خصوصًا أن البداية كانت خارج الديار.
في مباراة الذهاب، لم يتمكن سيداما بونا من الوصول إلى شباك منافسه، لتنتهي المواجهة بالتعادل السلبي 0-0.
ورغم أن النتيجة لم تمنح الفريق أفضلية واضحة، فإنها في الوقت نفسه أبقت كل الاحتمالات مفتوحة قبل مباراة العودة.
وكان على سيداما بونا أن يستفيد من اللعب على أرضه وبين جماهيره، وأن يحول الدعم الجماهيري إلى أفضلية حقيقية تساعده على حسم بطاقة التأهل.
وهنا ظهرت شخصية بطل الدوري الإثيوبي.
عندما عاد سيداما بونا إلى ملعبه في مباراة الإياب، كانت الجماهير حاضرة لتمنح الفريق الدعم المطلوب في واحدة من أهم مبارياته القارية.
هذه المرة لم يكتفِ الفريق بالحفاظ على شباكه، وإنما قدم أداءً أكثر حسمًا، ونجح في تسجيل ثلاثة أهداف كاملة، ليحقق الفوز على أغيلونز إف سي التشادي بنتيجة 3-0.
وبذلك حسم سيداما بونا تأهله بمجموع المباراتين بنتيجة 3-0، ليواصل رحلته في دوري أبطال إفريقيا، ويؤكد أن المشاركة القارية بالنسبة له ليست مجرد احتفال بالتتويج المحلي، وإنما فرصة حقيقية لبناء مشروع كروي يمتد خارج حدود إثيوبيا.
وراء هذا الطموح مجموعة من اللاعبين الذين يمثلون الجيل الحالي للفريق، ويعتمد عليهم سيداما بونا في مختلف الخطوط.
وفي الخط الهجومي، يبرز أبيل ياليو، مسفين تافسي وهبتامو تاديسي، بينما يضم خط الوسط أسماء مثل خالد أوتشو، سورافيل داناتشو ورضوان ناصر.
أما على مستوى الخط الخلفي، فيعتمد الفريق على ياريد باي، دستا ديمو وفيراول منقستو، إلى جانب حارسي المرمى شيخ ندوي وإيمانويل كاليوا.
وتشكل هذه المجموعة جزءًا من المشروع الذي يحاول النادي من خلاله الحفاظ على مكانته محليًا، وفي الوقت نفسه بناء فريق قادر على التعامل مع المستوى المختلف الذي تفرضه المنافسات الإفريقية.
وراء اسم النادي قصة أكبر من كرة القدم.
فـسيداما هي منطقة تقع في جنوب إثيوبيا، وقد شهدت تحولًا إداريًا وسياسيًا مهمًا بعد الاستفتاء الذي أُجري عام 2019، والذي مهد لتحولها إلى إقليم سيداما ضمن أقاليم إثيوبيا.
وتشتهر المنطقة بشكل خاص بإنتاج القهوة الإثيوبية، التي تحمل اسمها وتتمتع بسمعة واسعة بين محبي القهوة حول العالم.
ولهذا فإن اسم “سيداما” بات مرتبطًا بصورة ثقافية واقتصادية مميزة لإثيوبيا، بينما يسعى النادي الرياضي الذي يحمل الاسم نفسه إلى بناء صورة أخرى في عالم الرياضة.
القهوة تحمل اسم سيداما إلى الأسواق العالمية، وسيداما بونا يحاول أن يحمل الاسم ذاته إلى الملاعب الإفريقية.
جماهير هواسا.. الحكاية التي تمنح الفريق روحه
لا يمكن الحديث عن سيداما بونا دون التوقف عند جماهيره، التي تمثل جزءًا مهمًا من هوية النادي.
فملعب هواسا لا يمثل مجرد أرضية لإقامة المباريات، وإنما تحول إلى مساحة يلتقي فيها النادي بجماهير المدينة والمنطقة، خصوصًا في المباريات الكبيرة.
وكانت مواجهة أغيلونز إف سي مثالًا واضحًا على أهمية اللعب أمام الجماهير، بعدما تمكن الفريق من تحويل مباراة الإياب إلى ليلة احتفالية انتهت بانتصار بثلاثية نظيفة والتأهل إلى الدور التالي.
ومع استمرار الرحلة الإفريقية، سيكون دعم الجماهير أحد أهم الأسلحة التي يمتلكها الفريق، خاصة عندما تبدأ المنافسة في مواجهة أندية تمتلك خبرات قارية أكبر.
من بطل محلي إلى مشروع إفريقي
ربما يكون من المبكر الحديث عن سيداما بونا باعتباره أحد كبار القارة، لكن ما حققه النادي خلال الفترة الأخيرة يمنحه الحق في الحلم.
فالفريق نجح أولًا في تحقيق أول لقب للدوري الإثيوبي في تاريخه، ثم انتقل مباشرة إلى تحدي دوري أبطال إفريقيا، ونجح في تجاوز أول اختبار قاري له بعد التعادل خارج أرضه والفوز بثلاثية في ملعبه.
والأهم من النتائج أن النادي بدأ يمتلك قصة يمكن البناء عليها.
قصة مدينة تقف خلف فريقها، ومنطقة تبحث عن حضور أكبر على الساحة، وجيل من اللاعبين يريد استثمار اللحظة، ونادٍ أدرك أن التتويج المحلي ليس نهاية الطريق، وإنما قد يكون البداية الحقيقية لمشروع أكبر.
السؤال الآن: إلى أين يصل سيداما بونا؟
بعد كتابة أول صفحة ذهبية في تاريخه بالتتويج بالدوري الإثيوبي، وبعد نجاحه في تجاوز أغيلونز إف سي التشادي في الأدوار التمهيدية لدوري أبطال إفريقيا، أصبح سيداما بونا أمام اختبار جديد.
فالمنافسة القارية ستزداد صعوبة مع كل مرحلة، وستظهر أمام الفريق أندية أكثر خبرة وامتلاكًا للإمكانيات، لكن سيداما بونا يدخل هذه المغامرة وهو يحمل ثقة اكتسبها من موسمه التاريخي.
لقد بدأ النادي من هواسا، المدينة التي احتضنت أحلامه، وحمل اسم سيداما، المنطقة التي اشتهرت بقهوتها إلى العالم.
والآن يحاول الفريق أن يصنع شهرة من نوع آخر، شهرة لا ترتبط فقط بكرة القدم الإثيوبية، وإنما تمتد إلى القارة الإفريقية بأكملها.
سيداما بونا لم يعد مجرد بطل يبحث عن الاحتفاظ بلقبه المحلي، وإنما أصبح مشروعًا إفريقيًا جديدًا يطرق أبواب القارة، حاملاً أحلام جماهير مدينة كاملة، وطموح منطقة تريد أن يكون لها صوت في كرة القدم الإفريقية.
والإجابة عن السؤال الأهم — إلى أي مدى يمكن أن يصل سيداما بونا؟ — لن تكون بالكلمات، وإنما ستكتبها أقدام اللاعبين فوق ملاعب إفريقيا، مباراة تلو الأخرى.
الهلال السوداني.. اختبار من العيار الثقيل
وبعد نجاحه في تجاوز أغيلونز إف سي التشادي، يجد سيداما بونا الإثيوبي نفسه أمام اختبار أكثر صعوبة، عندما يصطدم بـالهلال السوداني، في مواجهة تحمل طابعًا خاصًا، وتبدو على الورق واحدة من أصعب محطات الفريق خلال مغامرته الإفريقية.
فالمواجهة أمام الهلال لن تكون مجرد مباراة جديدة في مشوار سيداما بونا، وإنما اختبار حقيقي لقدرة بطل إثيوبيا على التعامل مع فريق يمتلك خبرة كبيرة في البطولات الإفريقية، واعتاد الظهور في المواعيد القارية الكبرى، وهو ما يفرض على لاعبي سيداما بونا أقصى درجات التركيز والانضباط طوال دقائق اللقاء.
الهلال يدخل المواجهة بخبرة قارية كبيرة، وهو ما يجعل المهمة أكثر تعقيدًا بالنسبة للفريق الإثيوبي، خاصة أن الفوارق لا تتعلق فقط بالإمكانيات الفنية، وإنما تمتد أيضًا إلى الخبرة في التعامل مع ضغط المباريات الإفريقية، وإدارة التفاصيل الصغيرة التي قد تحسم مواجهات من هذا النوع.
وفي المقابل، لن يكون سيداما بونا أمام مهمة مستحيلة، خاصة بعدما أثبت خلال مشواره السابق أنه قادر على التعامل مع الضغوط، وحسم المواجهات عندما تتاح له الفرصة. فالفوز بثلاثية نظيفة على أغيلونز بعد التعادل السلبي في لقاء الذهاب منح الفريق دفعة معنوية كبيرة، وأكد أن بطل إثيوبيا لا يخشى الاختبارات خارج حدود بلاده.
وتحمل مواجهة الهلال أهمية خاصة بالنسبة لسيداما بونا، لأنها ستكشف بشكل أكبر حقيقة مستوى الفريق وقدرته على الانتقال من مرحلة المنافسة المحلية إلى مواجهة أحد الأسماء صاحبة الحضور القاري.
ومن المنتظر أن تكون المباراة صراعًا بين خبرة الهلال السوداني وطموح سيداما بونا الإثيوبي؛ فالهلال يريد تأكيد مكانته ومواصلة مشواره القاري، بينما يبحث سيداما عن صناعة مفاجأة جديدة وكتابة فصل أكثر جرأة في قصة صعوده الإفريقي.
ولهذا، فإن المواجهة تبدو مفتوحة على جميع الاحتمالات، لكنها في الوقت نفسه تتطلب من سيداما بونا تقديم واحدة من أكثر مبارياته انضباطًا وتركيزًا، إذا أراد مواصلة الحلم والوصول إلى مرحلة جديدة في دوري أبطال إفريقيا.
فبعد أن كان سيداما بونا يحتفل بأول لقب للدوري الإثيوبي في تاريخه، أصبح الآن أمام اختبار مختلف تمامًا؛ اختبار أمام الهلال السوداني، حيث لا تكفي الرغبة وحدها، وإنما يحتاج الفريق إلى شخصية قوية، وتركيز تكتيكي، واستغلال كل فرصة من أجل انتزاع بطاقة العبور.
