
قصة – فريق كورة كاف
في أحد أحياء أبيدجان البسيطة، لم يكن يان ديوماندي يملك ما يملكه أطفال كثيرون يحلمون بكرة القدم اليوم.
لم تكن هناك أكاديميات متطورة أو ملاعب مجهزة أو أحذية باهظة الثمن. كان هناك فقط طفل صغير يركض خلف الكرة في الشوارع الترابية، ويحلم بأن يصبح يومًا لاعبًا يعرفه العالم.
كان يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا يحمل ألوان مانشستر يونايتد، أما على ظهره فكان اسم “رونالدو” ورقم “7” مكتوبين بقلم يدوي.
بالنسبة للكثيرين كان مجرد طفل يقلد نجمه المفضل.
أما بالنسبة ليان، فكان ذلك القميص يمثل مستقبله بالكامل.
حلم أكبر من الظروف
نشأ ديوماندي في بيئة لم تكن تمنح الكثير من الفرص وقد كانت الحياة صعبة، والموارد محدودة، والطريق إلى الاحتراف يبدو مستحيلًا بالنسبة لطفل قادم من أحد الأحياء الشعبية في ساحل العاج لكن رغم ذلك، لم يتوقف عن الحلم حيث كان يقضي ساعات طويلة في اللعب مع أصدقائه، ويشارك في البطولات المحلية الصغيرة، ويحاول لفت الأنظار في كل فرصة ممكنة.
ولكنه كان يؤمن أن كرة القدم ليست مجرد لعبة بل كانت وسيلته الوحيدة لتغيير حياته وحياة أسرته.
الفتاة التي آمنت بالحلم
وسط كل هذه الرحلة، كانت هناك شخصية لا يذكرها الإعلام كثيرًا شقيقته الصغرى “روكسان” لم تكن مجرد أخت بالنسبة له بل كانت صديقته الأقرب، ومستمعته الأولى، والمشجع الأكبر لمسيرته.عندما كان يعود من التدريبات متعبًا كانت تستمع إليه وعندما كان يشعر بالإحباط كانت تذكره بأن النجاح سيأتي يومًا ما.كانت ترى فيه لاعبًا كبيرًا قبل أن يراه الآخرون وكانت تؤمن بموهبته أكثر مما كان يؤمن هو بنفسه أحيانًا.
سنوات من الرفض والانكسار
كبر يان وبدأت رحلة البحث عن فرصة حقيقية تنقل بين الاختبارات والأندية طرق أبوابًا كثيرة وسمع كلمة “لا” مرات لا تحصى.
في كل مرة كان يعتقد أن الفرصة اقتربت، كان يجد الباب يُغلق أمامه فشل في تجارب احترافية عديدة.
وعاد أكثر من مرة إلى نقطة البداية ومع مرور الوقت بدأ المحيطون به يفقدون الثقة البعض رأى أن حلم كرة القدم انتهى.
والبعض نصحه بالبحث عن عمل آخر حتى هو نفسه بدأ يشك في قدرته على الوصول. لكن شخصًا واحدًا فقط لم يتغير.
روكسان.
عندما فقد الجميع الثقة
في الوقت الذي بدأ فيه الآخرون يتخلون عن حلمه، كانت شقيقته تزداد تمسكًا به كانت تخبره دائمًا أن الأيام الصعبة لن تستمر.
وأن الله يخبئ له شيئًا أكبر مما يتخيل كلما عاد حزينًا كانت تمنحه الأمل وكلما شعر بأن الطريق انتهى كانت تدفعه للاستمرار.
ربما لم تكن تعلم أنها كانت تبني داخله شخصية لن تستسلم أبدًا.
الصدمة التي غيرت كل شيء
ثم جاء اليوم الذي لم يكن يتوقعه أحد اليوم الذي انقسمت فيه حياة يان ديوماندي إلى قسمين.
ما قبل روكسان وما بعد روكسان.
وصل الخبر كالصاعقة.
شقيقته الصغرى رحلت عن الحياة بشكل مفاجئ بعد تعرضها للتسمم خلال إحدى الحفلات ولم يكن الخبر مجرد فقدان لأحد أفراد العائلة.
كان فقدان الشخص الذي ظل يؤمن به عندما توقف الجميع عن ذلك رحلت روكسان وهي لم تتجاوز الخامسة عشرة من عمرها.
ورحلت معها قطعة كبيرة من قلب شقيقها.
الفراغ الذي لم يملأه شيء
اعترف ديوماندي لاحقًا أن رحيل شقيقته ترك داخله فراغًا لم يستطع أحد ملأه ؛كان يحقق خطوات جديدة في مسيرته.
لكن هناك شخصًا لم يعد موجودًا ليشاركه تلك اللحظات , كل نجاح أصبح يحمل داخله شيئًا من الحزن.
وكل خطوة للأمام كانت تذكره بمن كانت تحلم برؤيته في هذا المكان.
من شوارع أبيدجان إلى كأس العالم
مرت السنوات.
وواصل ديوماندي القتال حتى بدأت الأبواب التي أغلقت طويلًا تنفتح أخيرًا وقد نجح في إثبات نفسه.
وتحول من طفل يركض خلف الكرة في الشوارع إلى لاعب محترف يرتدي قميص منتخب ساحل العاج.
ثم جاءت اللحظة التي حلم بها طوال حياته.
كأس العالم.
المسرح الأكبر في كرة القدم وهو المكان الذي يحلم ملايين الأطفال بالوصول إليه.
وها هو أخيرًا يقف هناك لكن في قلبه كانت هناك أمنية واحدة فقط أن تكون روكسان موجودة لترى كل ذلك.
الرسالة التي أبكت جماهير الكرة
قبل مشاركته في كأس العالم، نشر يان ديوماندي رسالة تحولت خلال ساعات إلى واحدة من أكثر القصص تداولًا بين جماهير كرة القدم.
رسالة لم يتحدث فيها عن الأهداف أو البطولات أو الإنجازات.
بل تحدث عن شقيقته.
قال فيها:
“منذ رحيلك أشعر بالفراغ… لكن غدًا سأشارك في كأس العالم مع ساحل العاج. سأحقق ما كنتِ تؤمنين به دائمًا. وفي كل مرة أسجل فيها هدفًا، سأجعل العالم كله يعرف اسمك. أقسم أن أثبت أنكِ كنتِ على حق.”
كانت كلمات بسيطة.
لكنها حملت سنوات من الألم والوفاء والحب.
وعد لن ينتهي
اليوم، عندما يشاهد العالم يان ديوماندي بقميص ساحل العاج، قد يرى لاعبًا يشارك في أكبر بطولة على وجه الأرض.
لكن خلف تلك الصورة توجد حكاية مختلفة حكاية طفل بدأ بقميص مكتوب عليه “رونالدو 7” بقلم يدوي.
وحكاية شقيقة لم تتوقف يومًا عن الإيمان به وحكاية وعد قطعه لاعب لنفسه بأن يحمل اسم أخته معه أينما ذهب.
وربما لهذا السبب، فإن كل هدف سيسجله يان ديوماندي في المستقبل لن يكون مجرد هدف في مباراة.
بل سيكون رسالة جديدة إلى السماء.
رسالة تقول: “روكسان… لقد كنتِ على حق.”
