26 June، 2026

كتب: حازم عبد الحميد

في كل بطولة كبرى يشارك فيها منتخب مصر، لا يمر وقت طويل حتى تظهر “الآلة الحاسبة”. تبدأ الجماهير في حساب النقاط، وفارق الأهداف، ونتائج المنافسين، والسيناريوهات المحتملة للتأهل أو الخروج، وكأنها أصبحت جزءا ثابتا من رحلة الفراعنة

ويتكرر المشهد مجددا في كأس العالم 2026، قبل الجولة الأخيرة من دور المجموعات، حيث يتصدر منتخب مصر المجموعة السابعة برصيد 4 نقاط بعد التعادل مع بلجيكا والفوز على نيوزيلندا، ويملك فرصة كبيرة للتأهل إلى دور الـ32. ورغم أن مصير الفراعنة لا يزال بأيديهم قبل مواجهة إيران، فإن الجماهير لم تتوقف عن متابعة مباريات المجموعة وحساب كل الاحتمالات، خوفا من سيناريو اعتادت على رؤيته في بطولات سابقة

ولم تأتِ هذه المخاوف من فراغ، بل هي امتداد لسنوات طويلة ارتبط خلالها اسم منتخب مصر بما يعرف بين الجماهير بـ”حسبة برما”.

البداية الأشهر.. تصفيات مونديال 1998

تظل تصفيات كأس العالم 1998 واحدة من أشهر المحطات التي عاشت فيها الجماهير المصرية على وقع الحسابات المعقدة. فبعد الخسارة المفاجئة أمام ليبيريا بهدف سجله جورج وياه، تعقد موقف المنتخب بشكل كبير، وأصبح مطالبًا بتحقيق نتائج محددة مع انتظار تعثر منافسيه.

دخلت مصر الجولة الحاسمة أمام تونس في القاهرة وهي تتمسك بالأمل الأخير، إذ لم يكن أمامها سوى الفوز للإبقاء على حلم التأهل إلى مونديال فرنسا، لكن المباراة انتهت بالتعادل السلبي، لتتبخر الآمال وتتحول تلك التصفيات إلى واحدة من أكثر الذكريات ارتباطًا بمصطلح “حسبة برما” لدى الجماهير المصرية.

تصفيات 2002.. فرحة لم تكتمل

بعد أربع سنوات فقط، عاشت الجماهير المصرية واحدة من أكثر الليالي درامية مع المنتخب. دخل الفراعنة مباراتهم الأخيرة أمام الجزائر في الجزائر، بينما كانت الأنظار تتجه في الوقت نفسه إلى لقاء السنغال وناميبيا.

تقدم منتخب مصر بهدف، وفي الناحية الأخرى كانت السنغال متقدمة بثلاثية، وهي النتيجة التي كانت تمنح الفراعنة بطاقة التأهل إلى كأس العالم. بدأت الجماهير تعيش لحظات الحلم، معتقدة أن الانتظار الطويل أوشك على الانتهاء، لكن كرة القدم كان لها رأي آخر. عاد المنتخب الجزائري وأدرك التعادل، فيما واصلت السنغال تسجيل الأهداف لتنهي مباراتها بفوز كبير، ليتبخر حلم المصريين في دقائق معدودة.

وظلت تلك المواجهة محفورة في الذاكرة، ليس فقط بسبب ضياع التأهل، بل أيضًا لأنها ارتبطت بفرصة محمد عمارة الشهيرة أمام المرمى، والتي لا تزال تُستحضر حتى اليوم كلما ذُكرت الفرص الضائعة في تاريخ الكرة المصرية، تمامًا كما يتذكر الجميع فرصة مجدي طلبة أمام زيمبابوي في المباراة الفاصلة المؤهلة إلى كأس العالم 1994.

كأس القارات 2009.. الحسابات لم تنقذ الحلم

ورغم الأداء التاريخي الذي قدمه المنتخب في كأس القارات 2009، بعد الخسارة المشرفة أمام البرازيل (4-3) وتحقيق الفوز التاريخي على إيطاليا، دخل الفراعنة الجولة الأخيرة أمام الولايات المتحدة وهم يملكون أكثر من طريق للتأهل إلى نصف النهائي.

كان التعادل كافيًا لحسم بطاقة العبور، وحتى الخسارة بفارق هدفين كانت ستبقي على آمال المنتخب، لكن جاءت النهاية صادمة بخسارة بثلاثية نظيفة، ليودع الفراعنة البطولة رغم أحد أفضل العروض في تاريخهم، ويُضاف فصل جديد إلى سلسلة الحسابات التي انتهت بخيبة أمل.

تصفيات كأس العالم 2010.. ليلة أم درمان

لم تغب “حسبة برما” عن مشوار مصر نحو مونديال 2010 أيضا، لكن هذه المرة كانت النهاية أكثر درامية. قبل الجولة الأخيرة، كان المنتخب الجزائري يتفوق بفارق ثلاثة أهداف، ليصبح الأمل المصري مرتبطًا بالفوز على الجزائر بفارق ثلاثة أهداف في القاهرة، وهي النتيجة التي كانت تبدو شبه مستحيلة أمام أحد أقوى منتخبات القارة آنذاك.

لكن كرة القدم أثبتت مرة أخرى أنها لا تعترف بالمستحيل. نجح عماد متعب في تسجيل الهدف الثاني القاتل في الوقت بدل الضائع، لتفوز مصر بهدفين دون رد، وتتساوى مع الجزائر في كل شيء؛ النقاط، وفارق الأهداف، وحتى عدد الأهداف المسجلة، ليحتكم المنتخبان إلى مباراة فاصلة في أم درمان بالسودان.

عاشت الجماهير المصرية وقتها واحدة من أكثر الليالي فرحًا، بعدما تحول حلم الفوز بفارق هدفين فقط إلى حقيقة، وبدا أن بطاقة المونديال أصبحت أقرب من أي وقت مضى. لكن وكما حدث في محطات سابقة، أدارت الكرة وجهها مرة أخرى، فحسمت الجزائر المباراة الفاصلة بهدف عنتر يحيى، لتتأهل إلى كأس العالم، بينما بقيت مصر أسيرة سيناريو جديد من سيناريوهات “حسبة برما” التي انتهت بمرارة.

 

مونديال 2026.. هل تنتهي العقدة؟

واليوم، يعود المشهد من جديد. جماهير مصر تتابع نتائج المجموعة السابعة، وتحسب احتمالات التأهل، وتراقب فارق الأهداف، وتنتظر ما ستسفر عنه بقية المباريات، رغم أن المنتخب لا يزال يملك فرصة حسم الأمور بنفسه أمام إيران

فالفوز أو التعادل أمام المنتخب الإيراني يمنح الفراعنة بطاقة التأهل رسميًا إلى دور الـ32 دون النظر لأي نتائج أخرى، أما الخسارة فستعيد الجماهير إلى دائرة الحسابات، وترقب نتيجة مواجهة بلجيكا ونيوزيلندا، وحساب فارق الأهداف وكل السيناريوهات الممكنة

ويبقى الأمل هذه المرة أن تكون “الآلة الحاسبة” مجرد وسيلة للترفيه بين الجماهير، لا بطلًا جديدًا في قصة أخرى من قصص منتخب مصر، وأن ينجح الفراعنة أخيرًا في كتابة نهاية مختلفة، يطوون بها صفحة طويلة ارتبطت في ذاكرة المصريين بـ”حسبة برما”، ويفتحون صفحة جديدة عنوانها التأهل المستحق إلى الأدوار الإقصائية في كأس العالم 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 3 =